اسد حيدر

242

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ولقد بذل الشيعة كل ما في وسعهم لنصرة أهل البيت الذين عنهم يأخذون تعاليم دينهم ، وكانوا في هذه الأدوار يتصلون بمدرسة أهل البيت مهما كلفهم الأمر ، فلا يقعد بهم خوف ظالم ، ولا تحول دونهم ودون الاتصال بهم تلك الإرهابات التي اتخذها أعداء آل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وسيلة لفصل الأمة عنهم ، فهم من زمان علي عليه السّلام إلى زمان الإمام الحسن العسكري يأخذون عنهم معالم الدين حتى وقعت الغيبة الصغرى . وسيأتي بيان ذلك عند ذكرنا للنهضة العلمية عند الشيعة بعد عصر الأئمة عليهم السّلام . وكان الإمام العسكري قد جلبه المتوكل مع أبيه علي الهادي عليه السّلام إلى سامراء ، وما زال مع أبيه إلى أن التحق أبوه بالرفيق الأعلى وبقي العسكري مدة إمامته القصيرة في سامراء ( ست سنين ) في نكد وأذى ، وانفرد بعد أبيه بما يقصده به العباسيون من الإساءة والغض من مقامه ، والتضييق عليه والسجن إلى أن اغتاله المعتمد العباسي بالسم في سامراء لثمان خلون من ربيع الأول سنة 260 ه - ودفن مع أبيه في دارهما حيث قبرهما الآن ، وكان عمره الشريف ثمان وعشرين سنة . وفي ذلك العهد كان مذهب أهل البيت ينتشر في البلاد الإسلامية ، وأصبحت قم من عواصم العلم للشيعة وفيها من رواة الحديث أهل البيت عدد كثير ، ومن المؤلفين في الحديث والفقه وفنون العلم جم غفير ، وكذلك الكوفة وبغداد والمدائن وسامراء والشام عاصمة الأمويين كما سيأتي بيانه . وإن تمسك الشيعة بمذهب أهل البيت ، لا لتحزب أو تعصب ، ولا لطعن في مذاهب المسلمين أو حط من كرامة أحد من أئمة المذاهب ، ولكن الأدلة الشرعية أخذت بأعناقهم ، لوجوب الأخذ بمذهب أهل البيت لحكم الأدلة القاطعة وتعبدا بسنة سيد النبيين صلّى اللّه عليه وآله وسلم . ولو وجدوا طريقا للأخذ عن غيرهم لاتبعوه ، ولم يتحملوا المحن في سبيل اتباعهم ، ولكن لا طريق إلى ذلك بل وجدوا الحق معهم والحق أحق أن يتبع ، ولأنهم عليهم السّلام كانوا يمثلون الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في خلقه وهديه وورعه وزهده ، فهم عدل القرآن متكاتفين معه يمتثلون أوامره ويسارعون إلى تنفيذه ، واطلعوا على أسرار أحكامه ، ودقائق أطواره والقرآن قد أشاد بفضلهم كثيرا . ولقد بذلوا جهدهم في هداية الناس ، كما بذلوا لهم النصح ليرشدوهم إلى طرق السعادة ، وقد نشروا العلم والعدل ، وقاوموا الجهل والظلم ، وليس هذا مجرد فرض وإنما هو أمر واقع وحقيقة ظاهرة لا يمكن إنكارها ، ووجد الناس فيهم أئمة هدى :